«استبدلت عبء كونى ناجحا، بخفة كونى مبتدئا من جديد، وحررنى ذلك، لأدخل واحدة من أكثر فترات الإبداع فى حياتى» هكذا قال يوما ما مبدع التكنولوجيا، ستيف جوبز.
ولأن البداية، أهم جزء فى العمل،كما قال أفلاطون. كانت «البداية» ونقطة الانطلاق للفنانة الدكتورة صفية القبانى، نقيب التشكيليين، لمعرضها الجديد الذى افتتحته مساء أمس الأول.
تقول القبانى: «كنت فى ملتقى السلط بالأردن، بمناسبة إدراجها على قائمة التراث العالمى لليونسكو، وهى مدينة مقامة على سلسلة تلال بمحافظة البلقاء، حيث تمت دعوتى من جمعية البلقاء للاحتفال بهذه المناسبة. وكانت إقامتنا بمتحف سامى هندية المقام بالكامل على التلال والجبال. وفى ورش العمل، ووسط الفنانين شعرت بالحنين إلى الرسم بالألوان والفرشاة، بعد 30 عاما من العمل الجدارى بالفسيفساء والموزاييك»، وتضيف: «التقطت (شاسيه) من (التوال) وبدأت الرسم عليه، وأبدعت عملا فنيا من وحى البيوت والجبال فى المكان الساحر الذى كنت فيه».
وتكمل بكثير من الحنين والسعادة: «من هنا كانت (البداية) ، والقرار بالعودة للرسم والتصوير، واستعدت كل ذاكرتى البصرية على مدى أعوام طوال، منذ كنت طالبة بكلية الفنون الجميلة، فقمت بشراء ألوان (الأكريليك) بكل أشكالها وأنواعها مع (كانفاس) رسم وأصبحت أرسم يوميا بعد عودتى من الأردن فى أكتوبر الماضى وحتى اليوم. وأنجزت لوحة شاهدتها الفنانة الكبيرة زينب السجينى بالصدفة وهى لوحة بوستر معرضى الحالى ، فقالت لى: (أعمالك بالتصوير أجمل من الموزاييك). واعتبرت هذه الكلمات شهادة من قيمة وقامة فنية كبيرة».
وتضيف: «قمت بتنفيذ لوحات بها تجريد وتبسيط لنباتات وحشائش استخدمت فيه السكين، مع طبقات لونية بدلا من الفرشاة مع مجموعات لونية بعفوية شديدة أدهشتنى فى سخونتها وأدهشنى اللون الأزرق رغم انتمائه لفصيلة الألوان الباردة. ثم تجرأت أكثر على مسطح الرسم أمامى، وقررت ألا أتوقف وبدأت باستدعاء مخزون المناظر وهو الموضوع المفضل لى منذ سنوات الدراسة والتى تعلمتها على يد الفنان الكبير الراحل حامد ندا ( 1924-1990) وكان كفاحنا لتعلم المنظور فى رحلاتنا لرسم المناظر فى بيت السحيمى والمسافر خانة، وكان يصطحبنا للرسم من قمة المسجد لنرسم المنظر من منظور عين الطائر، فوجدت نفسى أرسم البيوت بتبسيط شديد، وأرسم الأسطح بالكراكيب التى تعلوها بتصرف خاص منى وبمنظور ورؤية جديدة».
وتتابع: «وأرسم بنات يقفن خلف الشبابيك فى هذه المناظر، التى عشقتها ومشيت فى شوارعها وأنا طالبة أو وأنا أستاذة أذهب إليها مع طلابى، أعلمهم وأتعلم منهم. ورسمت أيضا مناظر من قرية (الجرنة) بالأقصر، ومن بيوت الواحات بلا (إسكتش) أو تحضير أو تفكير . وبدون قصد طبقت مقولة بيكاسو الشهيرة: (تعلم القواعد مثل المحترفين ، حتى تتمكن من كسرها مثل الفنان)».
وما كان يمكن إلا سؤال القبانى عن عملها أكثر من ثلاثين عاما مع «الموزاييك»، وما هو الفرق بينه وبين التصوير من وجهة نظرها؟ لتجيب شارحة: «الموزاييك مثل النحت، فهذه الخامات الحادة والجافة تحتاج إلى مقدرة خاصة فى التعامل، إلى نوع من التدريب على التوقف والعودة على مدى سنوات، على أن يحافظ الفنان على شحنته الانفعالية ويعود بها ليستأنف العمل فى جدارية مثلا تمتد لأكثر من 300 متر. أما التصوير فهو انفعال لحظى وسريع جدا. وأسعدنى أن أرى إنتاجى بسرعة وأفرح بمنجزى على سطح العمل وأبدأ عملا آخر من جديد».
البداية الجديدة لم تتصدر المعرض وحدها، بل إن هناك أيضا البداية الأولى. فتقول القبانى: «أخرجت (إسكتشات) الكلية، ومنها أول (إسكتش) لمشروع التخرج، وعرضته بين 30 (إسكتش) فى معرضى الجديد، إلى جانب 30 لوحة تصوير حديثة».
الفنانة دكتورة صفية القبانى، حاصلة على الدكتوراة من كلية الفنون الجميلة قسم تصوير، شعبة جدارى عام 1996. وهى حاليا نقيب الفنانين التشكيليين المصريين، وهى أول امرأة تشغل هذا المنصب، وكذلك أول امرأة تتولى منصب عميدة كلية الفنون الجميلة فى عام 2015.